ابن الأثير

254

الكامل في التاريخ

ثمّ إنّ بعض مماليك شاه أرمن ، اسمه بلبان ، وكان قد جاهر ولد بكتمر بالعداوة والعصيان ، سار من خلاط إلى ملازكرد وملكها ، واجتمع الأجناد عليه ، وكثر جمعه ، وسار إلى خلاط فحصرها ، واتّفق وصول صاحب ماردين إليها ، وهو يظنّ أنّ أحدا لا يمتنع عليه ، ويسلمون إليه المدينة ، فنزل قريبا من خلاط عدّة أيّام ، فأرسل إليه بلبان يقول له : إنّ أهل خلاط قد اتّهموني بالميل إليك ، وهم ينفرون من العرب ، والرأي أنّك ترحل عائدا مرحلة واحدة وتقيم ، فإذا تسلّمت البلد سلّمته إليك ، لأنّني لا يمكنني أن أملكه أنا . ففعل صاحب ماردين ذلك ، فلمّا أبعد عن خلاط أرسل إليه يقول له : تعود إلى بلدك ، وإلّا جئت إليك وأوقعت بك وبمن معك . وكان في قلّة من الجيش ، فعاد إلى ماردين . وكان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيّوب ، صاحب حرّان وديار الجزيرة ، قد أرسل إلى صاحب ماردين ، لمّا سمع أنّه يريد قصد خلاط ، يقول له : إن سرت إلى خلاط قصدت بلدك ، وإنّما خاف أن يملك خلاط فيقوى عليهم ، فلمّا سار إلى خلاط جمع الأشرف العساكر وسار إلى ولاية ماردين ، فأخذ دخلها ، وأقام بدنيسر يجبي الأموال إليه ، فلمّا فرغ منه عاد إلى حرّان ، فكان مثل صاحب ماردين كما قيل : خرجت النّعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين . وأمّا بلبان فإنّه جمع العسكر وحشد ، وحصر خلاط وضيّق على أهلها ، وبها ولد بكتمر ، فجمع من عنده بالبلد من الأجناد والعامّة ، وخرج إليه ، فالتقوا ، فانهزم بلبان ومن معه من بين يديه ، وعاد إلى الّذي بيده من البلاد ، وهو : ملازكرد وأرجيش وغيرهما من الحصون ، وجمع العساكر ، واستكثر منها ، وعاود حصار خلاط وضيّق على أهلها ، فاضطرّهم إلى خذلان